اقتصاد بأربع عملات.. السوريون يحتسبون الأسعار بالآلة الحاسبة

اقتصاد بأربع عملات.. السوريون يحتسبون الأسعار بالآلة الحاسبة -- Jun 23 , 2026 26

في أحد أسواق إدلب، يقف رجل خمسيني أمام بائع خضار يحمل في يده ورقة نقدية من فئة المئة ليرة تركيّة. ينظر البائع إلى شاشة إلكترونية صغيرة معلقة فوق صندوق المحاسبة، ثم يفتح تطبيقاً لأسعار الصرف على هاتفه قبل أن يخبر الزبون بقيمة مشترياته بالليرة السورية. يخرج الرجل بعض الأوراق السورية ويحتفظ بالباقي من الليرات التركية، بينما يهمس ساخراً: "أصبحت أحتاج إلى آلة حاسبة أكثر من حاجتي إلى محفظة".

آلة حاسبة في كل جيب

في مدينة واحدة، قد تُسعّر السلعة بالدولار، وتُدفع قيمتها بالليرة السورية، بينما تكون كلفة شرائها على التاجر محسوبة بالليرة التركية. لذلك لم يعد السؤال الذي يسبق عملية الشراء هو "كم يبلغ السعر؟"، وإنما "بأي عملة؟". وبين هذه العملات الثلاث، إلى جانب الإصدارات القديمة من الليرة السورية التي لا تزال متداولة في بعض القطاعات، تشكلت خلال السنوات الماضية سوق تتحدث أكثر من لغة نقدية في آن واحد.

عبد الهادي الناصر، وهو موظف من ريف إدلب، يقول لـِ "المدن" إن راتبه يُدفع بالليرة السورية، لكنه يسدد إيجار منزله بالدولار، بينما يشتري معظم احتياجات أسرته من متاجر تعتمد الليرة التركية في التسعير. ويضيف أن دخله لم يعد يقاس بقيمته الاسمية، وإنما بعدد مرات تحويله من عملة إلى أخرى.


ويقول: عندما أستلم راتبي أفتح تطبيق أسعار الصرف قبل أن أفكر بشراء أي شيء، لأن أي تغير في السعر يعني أن قدرتي الشرائية انخفضت قبل أن أصل إلى السوق. أشعر أحياناً أن راتبي يتآكل وأنا في الطريق إلى المنزل.

أما سمية الرشد، وهي ربة منزل، فتؤكد لـِ "المدن" أن الأسرة فقدت القدرة على وضع ميزانية شهرية كما كان الحال في السابق. ففي بعض الأيام ترتفع أسعار المواد الغذائية بسبب تغير سعر الدولار، وفي أيام أخرى تتبدل الأسعار نتيجة حركة الليرة التركية، بينما يبقى دخل الأسرة ثابتاً بالليرة السورية.

وتضيف: "لم نعد نعرف إن كان الغلاء سببه التاجر أم تغير سعر الصرف. كل ما نعرفه أن المبلغ الذي نحمله معنا إلى السوق يشتري كل أسبوع كمية أقل من السلع".

التاجر بين الدولار والليرة السورية والتركية

تعكس هذه الشهادات واقعاً اقتصادياً تشكل تدريجياً خلال سنوات الحرب والانقسام الإداري، بعدما فقدت الليرة السورية جزءاً كبيراً من قيمتها، فاتجهت مناطق واسعة في شمال غربي البلاد إلى اعتماد الليرة التركية في التعاملات اليومية، بينما احتفظ الدولار الأميركي بمكانته في العقارات والتجارة الكبيرة والادخار. وهكذا نشأ اقتصاد متعدد العملات، فرضته الضرورات في البداية، لكنه تحول مع مرور الوقت إلى جزء من الحياة اليومية.

ويقول حسين بكر، وهو تاجر مواد غذائية في مدينة إدلب، إن تعدد العملات لم يكن خياراً للتجار، بل وسيلة للتكيف مع واقع متقلب. ويوضح لـِ "المدن" أن المورد يطالبه بالدفع بالدولار، وبعض النفقات التشغيلية تُسدد بالليرة التركية، بينما يأتي قسم كبير من الزبائن حاملين الليرة السورية، ما يجبره على إعادة احتساب الأسعار بصورة مستمرة.


ويضيف أن المشكلة لا تكمن في وجود أكثر من عملة فقط، وإنما في سرعة تغير أسعار الصرف، إذ قد يشتري البضاعة صباحاً على أساس سعر معين، ثم يضطر إلى تعديل أسعارها مساءً حتى لا يبيع بخسارة. ويقول إن كثيراً من الزبائن يعتقدون أن التجار يرفعون الأسعار لتحقيق أرباح إضافية، بينما يكون الهدف في أحيان كثيرة حماية رأس المال من تقلبات السوق.

وإذا كان التاجر يلاحق تغير الأسعار، فإن العاملين في قطاع الصرافة يلاحقون تغير العملات نفسها. ويقول خالد عبد الغني، صاحب مكتب صرافة في إدلب، إن حجم عمليات تحويل العملات ارتفع خلال السنوات الماضية ليس نتيجة توسع النشاط الاقتصادي، وإنما بسبب حاجة الناس اليومية إلى التنقل بين العملات المختلفة.

ويضيف أن موظفين يقبضون رواتبهم بالليرة السورية ثم يحولون جزءاً منها إلى الليرة التركية لتغطية نفقاتهم، بينما تصل حوالات بالدولار إلى أسر تضطر إلى تصريفها فوراً لتأمين احتياجاتها اليومية. ويرى أن تعدد العملات زاد من حركة السوق، لكنه خلق أيضاً حالة دائمة من الارباك وعدم اليقين، لأن أي تغير في سعر الصرف ينعكس فوراً على حركة البيع والشراء.


وفي هذا السياق، أعلنت محافظة إدلب أخيراً حصر التعامل بالليرة السورية في المعاملات المالية والإدارية، وألزمت المديريات والمؤسسات العامة وشركات القطاعين العام والخاص والمصارف والمعامل ومجالس الوحدات الإدارية ومحطات الوقود والأفران ومكاتب الصرافة باستخدام الليرة السورية في تعاملاتها، مع إلزام مكاتب الصرافة بإظهار أسعار الصرف على شاشات واضحة داخل مكاتبها.

وقالت المحافظة إن القرار يأتي في إطار توحيد آلية التعاملات المالية وتنفيذ التعليمات الناظمة للعمل المالي داخل المحافظة. لكن اقتصاديين ينظرون إلى الخطوة بوصفها أكثر من مجرد إجراء تنظيمي، إذ تعكس سعياً لإعادة دمج اقتصاد الشمال السوري ضمن المنظومة الاقتصادية الوطنية بعد سنوات من الانقسام النقدي.

وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة إذا ما قورنت بما جرى عام 2020، عندما أعلنت السلطات المحلية آنذاك اعتماد الليرة التركية ومنع التعامل بالليرة السورية نتيجة الانهيار الحاد في قيمتها. أما اليوم، فإن المشهد يبدو معكوساً، مع اتجاه رسمي لإعادة الاعتبار للعملة الوطنية، بالتزامن مع الحديث عن قرب طرح إصدار جديد من الليرة السورية.

اقتصاد بلا عملة موحدة

وعلى الرغم من ذلك، يبقى السؤال مطروحاً في الأسواق: هل يكفي قرار إداري لتوحيد العملة حتى تستقر الأسعار؟ بالنسبة إلى كثير من المواطنين والتجار، فإن نجاح أي خطوة سيقاس بقدرتها على تحسين القدرة الشرائية واستقرار سعر الصرف، لا بمجرد تحديد العملة المستخدمة في المعاملات.

ويصف الخبير الاقتصادي الدكتور فادي عياش هذا الواقع بأنه حالة من "الانقسام النقدي"، معتبراً أن الاقتصاد السوري بات يعمل بأكثر من وحدة لقياس القيمة، وهو وضع يفقد الدولة إحدى أهم أدواتها في إدارة الاقتصاد.


ويقول عياش لـِ "المدن" إن العملة ليست مجرد وسيلة للدفع، بل هي أيضاً مقياس للقيمة وأداة للادخار ووسيلة لإدارة السياسة النقدية، وعندما تتوزع هذه الوظائف بين عدة عملات تتراجع قدرة الدولة على التحكم بالكتلة النقدية وإدارة التضخم.

ويضيف أن أخطر انعكاسات هذا الواقع تظهر في تآكل القدرة الشرائية للمواطنين، لأن شريحة واسعة من السوريين تتقاضى دخولها بالليرة السورية، بينما تُسعر نسبة كبيرة من السلع والخدمات بالدولار أو بالليرة التركية، ما يجعل أي تغير في أسعار الصرف ينعكس مباشرة على معيشة الأسر.

كما يؤدي اختلاف العملات، بحسب عياش، إلى فوضى في التسعير، إذ قد تختلف قيمة السلعة نفسها من منطقة إلى أخرى أو من متجر إلى آخر وفق العملة المستخدمة وسعر الصرف المعتمد، الأمر الذي يفتح الباب أمام المضاربة ويزيد من حالة عدم اليقين في الأسواق.

ويشير إلى أن المواطنين باتوا يعتبرون الدولار والعملات الأجنبية مخزناً للقيمة وملاذاً آمناً للادخار، بينما تراجعت مكانة الليرة السورية لتصبح وسيلة للإنفاق اليومي فقط، وهو ما يضعف الثقة بالعملة الوطنية ويحد من قدرة مصرف سورية المركزي على إدارة السياسة النقدية.

ويخلص عياش إلى أن أي خطوة لإعادة توحيد التعامل بالليرة السورية تمثل مؤشراً إيجابياً على طريق إعادة توحيد السوق الوطنية، لكنها لن تحقق أهدافها ما لم تترافق مع سياسات اقتصادية تعزز استقرار سعر الصرف، وتكبح التضخم، وترفع الثقة بالعملة المحلية. فاستعادة السيادة النقدية، بحسب تعبيره، ليست قراراً إدارياً فحسب، بل عملية اقتصادية متكاملة.

وبين الليرة السورية الجديدة والقديمة والليرة التركية والدولار الأميركي، لا يخوض السوريون معركة اختيار العملة، بل معركة الحفاظ على قيمة دخلهم. فبالنسبة إلى كثيرين، لم تعد المشكلة أي ورقة نقدية يحملونها في محافظهم، بل كم ستبقى قادرة على شراء احتياجاتهم عندما يصلون إلى صندوق المحاسبة.

نور ملحم - المدن

أقرأ أيضاَ

المغرب يدعو الشركات الصينية لزيادة الاستثمار رغم مخاوف أوروبا

أقرأ أيضاَ

"سبيس إكس" تفقد 400 مليار دولار في يوم واحد.. اليكم ما جرى